الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
17
تفسير كتاب الله العزيز
قدره ، ولا لذي الشرف شرفه ، وإن كان ليس أحد منكم يحبّ أن يظلم ولا يظلم ، ولكن تحبّون أن يجري فيكم الحقوق على وجهها بلا نقص لأغراضكم ولا امتهان لأنفسكم . قالوا فإنّا لا نرضى لقضائنا أحدا غيره . . . » « 1 » . هذا هو محكّم الهوّاريّ ، عالم قضى معظم حياته في جبل أوراس ، وفي البادية من حواليها ، فأكسبته من قسوة طبيعتها قوّة في النفس ، وشدّة في الحقّ ، وصلابة في الدين . فلم تؤثّر فيه حياة المدن وما يتبعها أحيانا من لين في العيش ، وترف في الحياة وفساد في الطباع . أمّا مدّة قضائه ، وكيف كانت أواخر أيّام حياته ، ومتى وأين كانت وفاته ، فقد أغفلت المصادر كلّ ذلك ولم تذكر عنه شيئا . والذي ثبت لدى المؤرّخين وكتّاب الطبقات هو أنّه عاش في النصف الأوّل من القرن الثالث ، وفي عهد الإمام أفلح بن عبد الوهّاب ( 208 - 258 / 823 - 871 ) . ولعله يكون قد توفّي قبل الإمام أفلح ، أو بعده بقليل . لأنّ عهد أبي اليقظان بن أفلح بعده عرف قاضيا آخر هو أبو عبد اللّه محمّد بن عبد اللّه بن أبي الشيخ . ولم يكن يقلّ عن محكّم الهوّاريّ تقى وورعا ، وجرأة على أن يصدع بالحقّ ، وأن يقيم العدل بين الناس ، حتى إذا رأى أنّ الظلم قد استشرى ، وأن لا حيلة له في إرجاع الحقّ إلى نصابه ، غدا بخاتمه وقمطره إلى الإمام ، واعتزل القضاء بكل إباء ، لأنّه لم يصبح قادرا على معاقبة المعتدين الظالمين كما فصّل ذلك ابن الصغير الذي أدرك عهد أبي اليقظان ورآه مرّتين ، وحضر مجلسه . هذه لمحة عابرة عن شخصية محكّم الهوّاريّ ، والد الشيخ هود ، وهذا الشبل من ذلك الأسد . فكيف كانت حياة الشيخ هود الهوّاريّ ؟ في تلك المواطن من جبل أوراس وما يحيط به ، وفي كنف هذا الوالد الورع التقيّ ، القاضي الحازم ، وتحت رعايته ، نشأ عالمنا الشيخ هود بن محكّم الهوّاريّ . إنّنا لا نعرف بالتحديد عام مولده ، ولكنّنا نقدّر أن يكون في العقد الأوّل أو الثاني من القرن الثالث الهجريّ . والذي يبدو لنا أنّه يكون قد أخذ العلم أوّلا في مراتع طفولته ومرابع صباه عن والده ، بعد حفظه لكتاب اللّه ، وأنّه قد تفقّه في مجالس العلم وحلقات الدروس التي كانت تعقد بالمساجد في القرى الجبليّة أو في
--> ( 1 ) ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص 49 ، 50 .